السيد محمد باقر الصدر

147

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

لأنّ المَثَل الأعلى المنفصل عنه ، لأنّ المثل الأعلى الذي هو فوقه ، هذا المثل الأعلى أعطاه نفحة موضوعية من الشعور بالمسؤولية ، وهذا الشعور بالمسؤولية تجسّد في كل كيانه ، في كل مشاعره وأفكاره وعواطفه . ومن هنا كان النبيّ معصوماً على مرّ التاريخ . إذن هذا المثل الأعلى بحسب الحقيقة يحدث تغييراً كيفياً على المسيرة ؛ لأ نّه يعطي الشعور بالمسؤولية ، وهذا الشعور بالمسؤولية ليس أمراً عرضياً ، ليس أمراً ثانوياً في مسيرة الإنسان ، بل هذا شرط أساسي في إمكان نجاح هذه المسيرة وتقديم الحل الموضوعي للتناقض الإنساني « 1 » ، للجدل الإنساني ؛ لأنّ الإنسان يعيش تناقضاً ، الإنسان بحسب تركيبه وخلقته يعيش تناقضاً ؛ لأنّه هو تركيب من حفنة من تراب ونفحة من روح اللَّه سبحانه وتعالى كما وصفت ذلك الآيات الكريمة . الآيات الكريمة قالت بأنّ الإنسان خلق من تراب ، وقالت بأ نّه نفخ فيه من روحه سبحانه وتعالى « 2 » . إذن فهو مجموع نقيضين اجتمعا والتحما في الإنسان ، حفنة التراب تجرّه إلى الأرض ، تجرّه إلى الشهوات ، إلى الميول ، تجرّه إلى كل ما ترمز إليه الأرض من انحدار وانحطاط ، وروح اللَّه سبحانه وتعالى التي نفخها فيه تجرّه إلى أعلى ، تتسامى بإنسانيته إلى حيث صفات اللَّه ، إلى حيث أخلاق اللَّه ، « تخلّقوا بأخلاق

--> ( 1 ) لقد تكرّر من السيد الشهيد قدس سره هنا استعمال بعض المفردات كالتناقض والجدل واجتماع النقيضين ونحو ذلك ، وليس مراده قدس سره المعنى المنطقي والفلسفي لهذه المصطلحات ، بل استعملها بما لها من مفهوم اجتماعي ومعنى عرفي مسامحي ( 2 ) من قبيل قوله تعالى : « وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ » السجدة : 7 - 9